جورج وستنجهاوس
أعد
مشروع كهربة مساقط نيجرا وأشرف على تنفيذه في وقت كان علم الكهرباء فيه ما يزال في
مراحله الأولى، وعمل على جعل السفر بقطرات السكك الحديدية أسرع وأكثر أمانا بفضل
ما أدخله عليها من تعديلات، واخترع الكثير من الأدوات الكهربائية المستعملة الآن
في المنازل حتى لقد أحصيت اخترعاته في خلال الثمانية والأربعين عاماً التي عمل
فيها، فوجد أنه كان يخترع جهازاً في كل خمسة وأربعين يوماً. وقد كان من أعلن – في
وجه معارضة شديدة اشترك فيها توماس أديسون نفسه – أن التيار الكهربائي يمكن أن
ينقل بسهولة وبتكاليف زهيدة إلى مدن تبعد عن مصدره بمئات الأميال بقصد استغلاله
والإفادة منه.
ذلك
هو جورج وستنجهاوس ابن الميكانيكي الفقير الذي كان يقوم بإصلاح الآلات القديمة في
محل متواضع بإحدى ضواحي نيويورك.
وقد
عرف جورج وستنجهاوس منذ نشأته الأولى بوداعته ودماثة خلقه. ويروى عنه أنه أخطأ
يوماً وهو يساعد أباه في إصلاح إحدى الآلات بمحله الصغير، فرأى أبوه أن يعاقبه
بضربه على قدميه بالعصا، كعادته في معاقبة مساعديه. وأذعن هو مستسلماً فانطرح على
ظهره فوق الأرض، ورفع قدميه متلقياً الضربات الموجعة في صبر عجيب زاد في حنق أبيه
عليه، فمضى يضربه بكل قوته حتى تكسرت العصا، فاضطر إلى إلقائها، ووقف يزمجر ويسب
ويلعن وهو ما زال ثائراً غضبان!
وعز
على الأبن الأصغر ألا تهدأ ثورة أبيه، فهتف به وهو ما زال رافعاً قدميه: " لا
تغضب يا أبي. هاك قطعة من الجلد معلقة بجانبك على الحائط، وفي استطاعتك أن
تستعملها بدلاً من العصا .!"
وقد
حال الفقر دون تعليم الصبي في المدارس ولكنه أبدى مهارة عجيبة في إصلاح الآلات
بمصنع أبيه بعد أن وقف على دقائقها وأسرار صنعها بذكائه الموهوب وطول الخبرة
والمران.
وبدأت
خطوته الأولى في سبيل الشهرة سنة 1886، فقد كانت حوادث اصطدام القطرات الحديدية
كثيرة في ذلك الحين، لأن فراملها كانت تحرك باليد، ولكل عربة فرملة مستقلة خاصة
بها. فلم يكن وقف القطار ممكناً قبل 1600 قدم على الأقل.
واتفق
أن اصطدم قطاران كان وستنجهاوس مستقلاً أحدهما وقدرت نجاته، فاغتنم الفرصة وراح
يدرس القاطرة المحطمة، وطريقة عملها وعمل فراملها. ثم فكر في ابتكار فرامل تقف
العجلات بسرعة في عربات القطار كلها معاً. واتفق إن كان يقلب صفحات مجلة تورط في
الاشتراك فيها ارضاء لمندوبتها الشابة الجميلة، رغم أنه لم يكن يعنى بقراءة
المجلات، فأطلع فيها على مقال عن حفر نفق بآلات ثاقبة يديرها الهواء المضغوط. وسرعان
ما أوحى إليه هذا المقال بإبتكار الفرملة المعروفة باسمه، والتي تستعمل الآن في
أكثر القطرات فتتمكن من وقفها على قيد أقل من مائتي قدم. وكانت في أول أمرها تقفها
على قيد خمسمائة قدم.
وصادف
وستنجهاوس في أول الأمر صعوبة كثيرة في إقناع أولى الأمر بأهمية اختراعه. وحينما
ذهب ليعرضه على مدير إحدى الشركات بنيويورك، سخر منه وقال له: "ألا تخجل من
هذا الإدعاء؟ كيف يمكن وقف قطار ضخم متحرك بوساطة الهواء؟!"
على
أن هذا كله لم يفت في عضد الفتى المخترع. وما فتئ يواصل عرض اختراعه على مختلف
الشركات حتى قبلت إحداها تجربته، فانتهت التجربة بالنجاح.
وكانت
القطرات السريعة تحتاج إلى إشارات تعمل بسرعة ودقة. فأخذ يفكر في إبتكار إشارات
سريعة ناجعة لتفادي الحوادث الكثيرة لتلك القطرات. وراح يشتري المخترعات القديمة
المسجلة، ويدخل عليها مختلف التحسينات حتى تم له ما أراد.
وأضطره
التفكير في ذلك إلى دراسة الكهرباء، وعلم أن اثنين من المخترعين الفرنسيين ابتركا
اجهزة تنقل التيار الكهربي المتقطع "alternating" مسافات طويلة في
أسلاك، فأرسل إليهما مندوباً اشترى له حق استعمال هذه الأجهزة بخمسين ألف دولار.
ثم عكف على دراستها، وما لبث قليلاً حتى صنع محولاً "transformer"
جديداً أفضل. ولكنه مكث عشر سنوات يكافح ويناضل حتى تغلب على المعارضة القوية التي
قوبل بها اختراعه الجديد واشترك فيها كثير من العلماء وفي مقدمتهم توماس أديسون.
وكانت حجة معارضيه أن التيار المتقطع حينما تزيد قوته
الدافعة إلى الحد اللازم لانتقاله مسافات طويلة، يعرض للقتل من يمس السلك الذي
يسري فيه، بينما التيار المستمر ليس كذلك، وإن أقتضى نقله مسافات بعيدة، إقامة
كثير من المحطات الكهربائية على طول الطريق لتجديد التيار.
وقامت الصحف بحملة عنيفة ضد اختراع وستنجهاوس، واستغلت في
حملتها حادثاً عرضياً وقع حينذاك، ولقى فيه أحد الصبيان مصرعه نتيجة مسه أحد
الأسلاك التي يسري فيها التيار المتقطع.
وكتب أديسون مقالاً ذكر فيه أنه لا يري مبرراً لاستعمال
هذا التيار الخطر!
ولم يقف معارضو وستنجهاوس عند هذا الحد، فصنعوا جهازاً
يدار بهذا التيار لقتل المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام!
وفي سنة 1893، تقدم وستنجهاوس منافساً لأديسون في مناقصة
لإنارة معرض شيكاغو، فرست المناقصة عليه، ولما كان أديسون مسيطراً على صناعة
المصابيح الكهربائية، فقد بدأ للناس أن وستنجهاوس تورط في المناقصة، ولا يلبث أن
يعجز عن إنارة المعرض. ولكنه طلع عليهم بعد ثلاثة أشهر بمصباح كهربائي قوي جديد،
كان استخدامه في المعرض أقوى دعاية له. وسرعان ما آمن أولو الأمر بقدرته وخبرته في
شئون الكهرباء، فتعاقدوا معه على توليدها من مساقط المياه في شلالات نياجرا.
وقد أقام ثلاثة مولدات للكهرباء عند تلك المساقط ما زالت
تعمل حتى الآن. وفي ليلة 10 نوفمبر سنة 1896، اجتمع الناس ليشهدوا المعجزة، ويروا
جميع شوارع إحدى المدن تضاء بالكهرباء المولدة من قوة اندفاع الماء.
ولم يمض وقت طويل حتى كانت الكهرباء تسخر في خدمة
المصانع والمعامل مما احدث ثورة في عالم الصناعة.